الطير
27-11-2003, 06:10
مكارم الأخلاق
للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله , نحمده و نستعينه ونستغفره , ونتوب إليه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق , ليظهره على الدين كله , بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً , وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً , فبلغ الرسالة , وأدى الأمانة , ونصح الأمة , وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين , ووفق الله من شاء من عباده فاستجاب لدعوته , واهتدى بهديه , وخذل الله بحكمته من شاء من عباده , فاستكبر عن طاعته , وكذب خبره , وعاند أمره , فباء بالخسران والضلال البعيد .
أما بعد فبحثنا هذا يدور حول الحديث عن حسن الخلق ومكارم الأخلاق .
والخلق : هو السجيةُ والطبع , وهو كما يقول أهل العلم : صورةُ الإنسان الباطنة , لأن الإنسان صورتين :
صورة ظاهرة : وهي شكل خلقته التي جعل الله البدن عليه , وهذه الصورة الظاهرة منها جميل حسن , ومنها ما هو قبيح سيئ , منها ما بين ذلك .
وصورة باطنة : وهي حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر , من غير حاجة إلى فكر وروية .
وهذه الصورة أيضاً منها ما هو حسن إذا كان الصادر عنها خلقاً حسناً , ومنها ما هو قبيح إذا كان الصادر عنها خلقاً سيئاً , وهذا ما يُعبر عنه بالخلق , فالخلق إذن هو الصورة الباطنة التي طبع الإنسان عليها .
والواجب على المسلم أن يتخلق بمكارم الأخلاق أي أطايبها , والكريم من كل شيء هو الطيب منه بحسب ذلك الشيء , ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ ( إياك وكرائم أموالهم )(1) حين أمره بأخذ بالزكاة من أهل اليمن .
فعلى الإنسان أن تكون سريرته كريمة , فيحب الكرم , والشجاعة , والحلم , والصبر ,أن يلاقي الناس بوجه طلق , وصدر منشرح , ونفس مطمئنة , فكل هذه الخصال من مكارم الأخلاق .
وقد قال الني صلى الله عليه وسلم ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً )(2) , فينبغي أن يكون هذا الحديث دائماً نصب عين المؤمن , لأن الإنسان إذا علم بأنه لن يكون كامل الإيمان إلا إذا أحسن خلقه كان ذلك دافعاً له على التخلق بمكارم الأخلاق ومعالي الصفات وترك سفا سفها و رديئها .
ــــــــــ
(1) أخرجه البخاري رقم1496 , ومسلم رقم29 (2) أخرجه أبو داود رقم4682 , و الترمذي 1162 , وهو في صحيح الجامع رقم1230 , 1232
***
كمال الشريعة الإسلامية من ناحية الأخلاق
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من مقاصد بعثته إتمام محاسن الأخلاق , فقال عليه الصلاة والسلام ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )(1) .
فالشرائع السابقة التي شرعها الله للعباد كلها تحث على الأخلاق الفاضلة , ولهذا ذكر أهل العلم أن الأخلاق الفاضلة مما طبقت الشرائع على طلبه , ولكن الشريعة الكاملة جاء النبي عليه الصلاة والسلام فيها بتمام مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال . ولنضرب مثلاً .
مسألة القصاص : ذكر أهل العلم في مسألة القصاص , أي : لو أن أحداً جنى على أحد فهل يقتص منه أم لا ؟ ذكروا أن القصاص في شريعة اليهود حتميٌّ ولابد منه , ولا خيار للمجني عليهم فيه , وأن الأمر في شريعة النصارى العكس , وهو وجوب العفو , لكن شريعتنا جاءت كاملة من الوجهين , ففيها القصاصُ وفيها العفو , لأن في أخذ الجاني بجنايته حزماً وكفاً للشر , وفي العفو عنه إحساناً وجميلاً , وبذل معروف فيمن عفوت عنه , فجاءت شريعتنا والحمد لله مكملة , خيرت من له الحق بين العفو والأخذ , لأجل أن يعفو في مقام العفو , وأن يأخذ في مقام الأخذ . وهذا بلا شك أفضل من شريعة اليهود التي ضيعت حق المجني عليهم في العفو الذي يكون فيه مصلحة لهم , وأفضل من شريعة النصارى التي ضيعت حق المجني عليهم أيضاًً فأوجبت عليهم العفو وقد تكون المصلحة في الأخذ وإنزال العقوبة .
***
الأخلاق بين الطبع والتطبع
وكما يكون الخُلقُ طبيعة , فإنه قد يكون كسباً , بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعاً على الخلق الحسن الجميل , فإنه أيضاً يمكن أن يتخلق بالأخلاق الحسنة عن طريق الكسب والمرونة .
ولذلك قال الني صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس ( إن فيك لخلقين يحبهما الله : الحلم والأناة ) قال يا رسول الله , أهما خلقان تخلقت بهما , أم جبلني الله عليهما , قال ( بل جبلك الله عليهما ) . فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما ورسوله )(2) .
فهذا دليل على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعاً وتكون تطبعا , ولكن الطبع بلا شك أحسن من التطبع , لأن الخلق الحسن إذا كان طبيعياً صار سجية للإنسان وطبيعة له , لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف , ولا يحتاج في استدعائه إلى عناء ومشقة , ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء , ومن حُرم هذا – أي حُرم الخلق عن سبيل الطبع – فإنه يمكنه أن يناله
عن سبيل التطبع , وذلك بالمرونة , والممارسة كما سنذكر إن شاء الله تعالى فيما بعد .
ــــــــــ
(1) أخرجه أحمد في المسند2/381 , والحاكم في المستدرك2/613 , وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي , وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم45 , (2) أخرجه أبو داود رقم5225 , وأحمد 4/206
***
من الأفضل ؟
وهنا مسألة وهي : أيهما أفضل رجل جُبل على خلق حميد , ورجل يجاهد نفسه على التخلق به , فأيهما أعلى منزلة من الآخر ؟
ونقول جواباً على هذه المسألة : إنه لاشك أن الرجل الذي جُبل على الخلق الحسن أكمل من حيث تخلقه بذلك , أو من حيث وجود هذا الخلق الحسن فيه , لأنه لا يحتاج إلى عناء ولا إلى مشقة في استدعائه , ولا يفوته في بعض الأماكن والمواطن , إذ أن حسن الخلق فيه سجيه وطبع , ففي أي وقت تلقاه تجده حَسَن الخلق , وفي أي مكان تلقاه حَسَن الخلق , وعلى أي حالٍ تلقاه حَسَن الخلق , فهو من هذه الناحية أكمل بلا شك .
وأما الآخر الذي يجاهد نفسه ويروضها على حسن الخلق , فلا شك أنه يؤجر على ذلك من جهة مجاهدة نفسه , وهو أفضل من هذه الجهة , لكنه من حيث كمالُ الخلق أنقص بكثير من الرجل الأول .
فإذا رزق الإنسان الخلقين جميعاً , طبعاً وتطبعاً كان ذلك أكمل , الأقسام هي :
1- من حرُم حسن الخلق طبعاً وتطبعاً
2- من حرمه طبعاً لا تطبعاً
3- من رُزقه طبعاً لا تطبعا
4- من رُزقه طبعاً لا تطبعاًً
ولا شك أن القسم الثالث هو أفضل الأقسام لأنه مع بين الطبع والتطبع في حسن الخلق .
***
مجالات حسن الخلق
إن كثيراً من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق خاص بمعاملة الخلق دون معاملة الخالق ولكن هذا الفهم قاصر , فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق , يكون أيضاً في معاملة الخالق , فموضوع حسن الخلق إذن : معاملة الخالق جلا وعلا , ومعاملة الخلق أيضاً وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها الجميع .
أولاً / حـسن الخلق في مـعاملة الخالق : حـسنُ الخلق في مـعاملة الخالق يجمع ثلاثة أمـور : (1) تلقي أخبار الله بالتصديق (2) وتلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق (3) وتلقي أقداره بالصبر والرضا .
هذه ثلاثة أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله تعالى ,
1/ تلقي أخبار بالتصديق : بحيث لا يقع عند الإنسان شك , أو تردد في تصديق خبر الله تبارك وتعالى , لأن خبر الله تعالى صادر عن علم , وهو سبحانه أصدق القائلين كمال قال تعالى عن نفسه ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا )]النساء87[ , ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان واثقاً بها , مدافعاً عنها , ومجاهداً بها وفي سبيلها , بحيث لا يداخله شك أو شبهة في أخبار الله عز وجل و أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم .
وإذا تخلق العبد بهذا الخلق أمكنه أن يدفع أي شبهة يوردها المغرضون على أخبار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , سواء أكانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه , أم كانوا من غير المسلمين الذين يلقون الشبه في قلوب المسلمين بقصد فتنتهم وإضلالهم .
ولنضرب لذلك مثلاً - حديث الذباب - ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ولغ الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر الدواء )(1) .
هذا خبر صادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم في أمور الغيب لا ينطق عن الهوى , لا ينطق إلا بما أوحى الله تعالى إليه لأنه بشر , والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له ( قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ )]الأنعام50[ .
وهذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخلق وحسن الخلق نحو هذا الخبر يكون بأن نتلقاه بالقبول والانقياد , فنجزم بأن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فهو حق وصدق , وإن اعترض عليه من اعترض , ونعلم علم اليقين أن كل ما خالف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه باطل , لأن الله تعالى يقول ( فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ )]يونس32[ .
ومثال آخر – من أخبار يوم القيامة - أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بقدر ميل (2) , وسواء كان هذا الميل ميلَ المكحَلة أم كان ميل المسافة , فإن هذه المسافة بين الشمس ورءوس الخلائق قليلة ومع هذا فإن الناس لا يحترقون بحرها , مع أن الشمس لو تدنو الآن في الدنيا مقدار أنملة لاحترقت الأرض ومن عليها .
قد يقول قائل : كيف تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة , ثم يبقى الناسُ لحظةً واحدةً دون أن يحترقوا ؟! نقول لهذا القائل : عليك أن تكون حسن الخلق نحو هذا الحديث .
وحسنُ الخلق نحو هذا الحديث الصحيح يكون أن نقبله ونصدق به , وأن لا يكون في صدورنا حرج منه ولا ضيق ولا تردد , وأن نعلم أن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا فهو حق , ولكن هناك فارقاً عظيماً بين أحوال الناس في الدنيا , وأحوالهم في الآخرة , بحيث لا يمكن أن نقيس أحوال الدنيا بأحوال الآخرة , لوجود هذا الفارق العظيم .
فنحن نعلم أن الناس يقفون يوم القيامة خمسين ألف سنة !!
ــــــــــ
(1) أخرجه البخاري رقم5782
(2) أخرجه مسلم 2864
وعلى مقياس ما في الدنيا , فهل يمكن أن يقف أحدٌ من الناس خمسين أ لف دقيقة ؟
الجواب : لا يمكن ذلك , إذن الفارق عظيم , فإذا كان كذلك , فإن المؤمن يقبل مثل هذا الخبر بانشراح صدر وطمأنينة , ويتسع فهمه له , وينفتح قلبه لما دل عليه .
2/ ومن حسن الخلق مع الله عز وجل , أن يتلقى الإنسان أحكام الله بالقبول والتنفيذ والتطبيق فلا يرد شيئاً من أحكام الله , فإذا رد شيئاً من أحكام الله فهذا سوء خلق مع الله عز وجل , سواءٌ ردها منكراً حكمها , أو ردها مستكبراً عن العمل بها , أو ردها متهاوناً بالعمل بها , فإن ذلك كله منافٍ لحسن الخلق مع الله عز وجل .
مثال على ذلك – الصوم – الصوم لا شك فيه أنه شاقٌ على النفوس , لأن الإنسان يترك فيه المألوف , من طعام وشراب , ونكاح , وهذا أمر شاق على الإنسان ولكن المؤمن حسن الخلق مع الله عز وجل , يقبل هذا التكليف , أو بعبارة أخرى : يقبل هذا التشريف , فهذه نعمة من الله عز وجل في الحقيقة , فالمؤمن يقبل هذه النعمة التي في صورة تكليف بانشراح صدر وطمأنينة , وتتسع لها نفسه فتجده يصوم الأيام الطويلة في زمن الحر الشديد , وهو بذلك راضٍ منشرح الصدر , لأنه يحسن الخلق مع ربه , لكن سيئ الخلق مع الله عز وجل يقابل مقل هذه العبادة بالضجر والكراهية, ولولا أنه يخشى من أمر لا تُحمد عقباه , لكان لا يلتزم بالصيام .
مثال آخر – الصلاة – فالصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس , وهي ثقيلة على المنافقين , كمال قال النبي عليه الصلاة والسلام ( أثقل الصلاة على المنافقين : صلاة العشاء وصلاة الفجر )(1) .
لكن الصلاة بالنسبة للمؤمن ليست ثقيلة قال تعالى ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ )]البقرة45-46[ , فهي على هؤلاء غري كبيرة وإنما سهلة يسيرة , ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( و جعلت قُرة عيني في الصلاة )(2) .
فالصلاة هي قرة عين المؤمن , وزاده اليومي الذي يتزود به للقاء الله تعالى , ولذلك فهو يعظم قدرها لها أعظم الاهتمام , لأنها عماد الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة .
فحسن الخلق مع الله عز وجل بالنسبة للصلاة أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن ,وعينك قريرة تفرح إذا كنت متلبساً بها , وتنتظرها إذا فات وقتها , فإذا صليت الظهر , كنت في شوق إلى الصلاة العصر , وإذا صليت المغرب كنت في شوق إلى صلاة العشاء , وإذا صليت العشاء كنت في شوق إلى صلاة الفجر . و لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( يا بلال أرحنا بالصلاة )(3) .
ــــــــــ
(1) مسلم رقم251 كتاب المساجد ورقم651/252 (2) أخرجه مسلم النسائي رقم3949 , 3950 كتاب عشرة النساء , وأحمد في المسند 3/128 , 199 , 285 , وهو في صححي الجامع رقم3134 (3) أخرجه أبو داود رقم4985 . وأحمد في المسند 5/364 والحديث في صحيح الجامع للألباني رقم7892 .
يقول : أرحنا بها , فإن فيها الراحة والطمأنينة والسكينة , لا كما يقول البعض : أرحنا بها , لأنها ثقيلة عليهم , وشاقة على نفوسهم . وهكذا دائماً تجعل قلبك معلقاً بهذه الصلوات فهذا لا شك أنه من حسن الخلق مع الله تعالى .
مثال ثالث – تحريم الربا – وهذا في المعاملات فقد حرم الله علينا الربا تحريماً أكيداً وأحل لنا البيع وقال في ذلك ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهـَى فَلـَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الـلَّهِ وَمـَنْ عَادَ فَأُولَـئِكَ أَصْـحَابُ النَّارِ هُمْ فِيـهَا خَالِـدُونَ )]البقرة275[, فتوعد من عاد إلى الربا بعد أن جاءته الموعظة , وعلم الحكم , توعد بالخلود في النار , والعياذ بالله , بل إنه توعده في الدنيا أيضاً بالحرب فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مؤمنين * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .. )]البقرة278,279[ هذا يدل على عظم هذه الجريمة وأنها من كبائر الذنوب والموبقات .
فالمؤمن يقبل هذا الحكم بانشراح ورضا وتسليم , وأما غير المؤمن فإنه لا يقبله , ويضيق صدره به , وربما يتحيل عليه بأنواع الحيل , لأننا نعلم أن في الربا كسباً متيقناً وليس فيه أي مخاطرة, لكنه في الحقيقة كسب لشخص وظلك لآخر ’ ولهذا قال الله تعالى ( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ )]البقرة279[ .
3/ ومن حسن الخلق مع الله تعالى : تلقي أقدار الله تعالى بالرضا والصبر ,وكلنا نعلم أن أقدار الله عز وجل التي يجريها على خلقه ليست كلها كلائمة للخلق بمعنى أن منها ما يوافق رغبات الخلق ومنها ما لا يوافقهم .
فالمرض مثلاً : لا يلائم الإنسان , فكل إنسان يحب أن يكون صحيحاً معافى .
وكذلك الفقر : لا يلائم الإنسان , فالإنسان يحب أن يكون غنياً .
وكذلك الجهل : لا يلائم الإنسان فالإنسان يحب أن يكون عالماً . لكن أقدار الله عز وجل تتنوع لحكمة يعلمها الله عز وجل , منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتضى طبيعته , ومنها ما لا يكون كذلك . فمت هو حسن الخلق مع الله عز وجل نحو أقدار الله ؟
حسن الخلق مع الله نحو أقداره : أن ترضى بما قدر الله لك , وأن تطمئن إليه وتعلم أنه سبحانه وتعالى ما قدره إلا لحكمة عظيمة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد والشكر .
وعلى هذا فإن حسن الخلق مع الله نحو أقداره , هو أن يرض الإنسان ويستسلم ويطمئن , ولهذا امتدح الله الصابرين فقال ( ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )]البقرة155-156[ . .
ثانياً : حسن الخلق في معاملة الخَلق :
أما حسن الخلق مع المخلوق فعرّفه بعضُهم بأنه كفُّ الأذى ، وبذلُ النّدى، وطلاقة الوجه . ويذكر ذلك عن الحسن البصري – رحمه الله.
1/ معنى كفى الأذى : معنى كف الأذى أن يكف الإنسان أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس بحسن الخلق، بل هو سيئ الخلق.
وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم حُرمة أذية المسلم بأي نوع من الإيذاء وذلك في أعظم مجمع اجتمع فيه بأمته حيث قال ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا )(1) .
إذا كان رجل يعتدي على الناس بأخذ المال، أو يعتدي على الناس بالغش، أو يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس بالسبّ والغيبة والنميمة، لا يكون هذا حسنَ الخلق مع الناس، لأنه لم يكف أذاه، ويعظم إثم ذلك كلما كان موجهاً إلى من له حق عليك أكبر.
فالإساءة إلى الوالدين مثلاً أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيراناً لك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ) قالوا : من يا رسول الله؟ قال ( من لا يأمن جاره بوائقه )(2) .
2 / معنى بذل الندي : الندى هو الكرم والجود، يعني: أن تبذل الكرم والجود. والكرم ليس كما يظنه بعض الناس أنه بذل المال فقط، بل الكرم يكون في بذل النفس، وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، وفي بذل العلم.
إذا رأينا شخصاً يقضي حوائج الناس، يساعدهم، يتوجه في شئونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليهم، ينشر علمه بين الناس، يبذل ماله بين الناس، هل نصفُ هذا بحس الخلق؟ نعم، نصفه بحسن الخلق، لأنه بذل الندى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخلق حسن )(3) .
ومن مخالفة الناس بخلق حسن : أنك إذا ظُلمت أو أسيء إليك، فإنك تعفو وتصفح وقد امتدح الله العافين عن الناس، فقال في أهل الجنة ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )] آل عمران 134[
وقال تعالى ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... ) ]البقرة237[
وقال تعالى ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ... ) ]النور 22[
ــــــــــ
(1) أخرجه البخاري رقم67 وأخرجه مسلم رقم29,30 كتاب القسامة (2) أخرجه البخاري رقم6016 ومسلم نحوه رقم73 كتاب الإيمان ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) (3) أخرجه الترمذي رقم1987 وقال ( حديث حسن صحيح ) وأحمد في المسند 4/153 , 158 , 236 من حديث أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وهو في صحيح الجامع رقم97 .
وقال تعالى ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) ]الشورى 40[
وكل إنسان يتصل بالناس، فلابد أن يجد من الناس شيئاً من الإساءة، فموقفه من هذه الإساءة أن يعفو ويصفح، وليعلم علم اليقين أنه يعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى، سوف تنقلب العداوة بينه وبين أخيه إلى ولاية، ومحبة، وصداقة، قال تعالى ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ]فصلت 34[
وتأملوا أيها العارفون باللغة العربية كيف جاءت النتيجة بإذا الفُجائية، لأن ( إذا ) الفجائية تــدل على الحــدوث الفــوري في نتيجتها ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنــَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِــيٌّ حَمــِيمٌ ) ]فصلت 34[ , ولكن ليس كل أحد يوفق لذلك قال ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ]فصلت 35[ .
هل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني محمود مطلقاً ومأمور به؟
وقد يفهم البعض من الآية هذا الكلام، ولكن ليكن معلوماً أن العفو إنما يُحمد إذا كان العفو أحمد، فإن كان الأخذ أحمد فالأخذ أفضل. ولهذا قال تعالى ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) ]الشورى 40[ , فجعل العفو مقروناً بالإصلاح.
فالعفو قد يمكن أن يكون غير إصلاح، فقد يكون هذا الذي جنى عليك واجترأ عليك رجلاً شريراً معروفاً بالشر والفساد، فلو عفوت عنه لتمادى في شره وفساده فالأفضل في هذا المــقام أن تــأخذ هذا الرجل بجريـرته، لأن في ذلك إصــلاحا ً. قال شيــخ الإسلام ابــن تيمـيه ( الإصلاح واجب، والعفو مندوب، فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوباً على واجب، وهذا لا تأتي به الشريعة ) وصدق رحمه الله .
** تنبيه مهم**
وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة يفعلها كثير من الناس بقصد الإحسان، وهي أن تقع حادثه من شخص، فيهلك بسببها شخص آخر، فيأتي أولياء المقتول فيسقطون الدية عن هذا الجاني الذي فعل الحادث، فهل إسقاطهم للدية محمود ويعتبر من حسن الخلق؟ أم في ذلك تفصيل؟
في ذلك تفصيل، فلابد أن نتأمّل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث، هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول: أنا لا أبالي أن أدهس شخصاً لأن ديته في الدرج والعياذ بالله.
أم أنه رجل حصلت منه هذه الحادثة مع كمال التعقل وكمال الاتزان، ولكن الله تعالي قد جعل لكل شيئاً مقداراً.
في ذلك تفصيل، فلابد أن نتأمّل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث، هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول: أنا لا أبالي أن أدهس شخصاً لأن ديته في الدرج والعياذ بالله.
أم أنه رجل حصلت منه هذه الحادثة مع كمال التعقل وكمال الاتزان، ولكن الله تعالي قد جعل لكل شيئاً مقداراً.
إن كان من هذا الطراز الأخير فالعفو في حقه أولى، ولكن حتى وإن كان من هذا الطراز المتعقل المتزن ، يجب قبل أن نعفو عنه أن ننظر: هل على الميت دين؟ فإذا كان على الميت دين، فإنه لا يمكن أن نعفو، ولو عفونا فإن عفونا لا يعتبر. وهذا مسألة ربما يغفل عنها كثير من الناس، ونحن نقول ذلك لأن الورثة يتلقون الاستحقاق لهذه الدية من الميت الذي أصيب بالحادث، ولا يردُ استحقاقهم إلا بعد قضاء الدين إن كان الميت مديناً.
ولهذا لما ذكر الله الميراث قال ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) ]النساء 11[
والحاصل أن من حسن الخلق: العفو عن الناس وهذا من باب بذلك الندى، لأن بذل الندى إما إعطاء وإما إسقاط، والعفو من الإسقاط.
3 / طلاقة الوجه : وطلاقة الوجه: هو إشراقه حين مقابلة الخلق، وضدُّ ذلك عبوس الوجه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )(1) وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن البر فقال ( وجه طـلق ولسان لـيـّن )
وقد نظمه بعض الشعراء فقال:
بني إن البر شيء هين *** وجه طليق ولسان لين
فطلاقة الوجه وتُدخل السرور على الناس، وتجذب المودة، والمحبة، وتوجب انشراح الصدر منك وممن يقابلك.
لكن إذا كنت عبوساً ، فإن الناس ينفرون منك، ولا ينشرحون بالجلوس إليك، ولا بالتحدث معك، وربما تصاب بعُقدٍ نفسيه، وربما تصاب بالمرض الخطير وهو ما يسمى بالضغط، فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أنجع العقاقير المانعة من هذا الداء ولهذا ينصح الأطباء من ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عما يثيره ويغضبه، لأن ذلك يزيد في مرضه، فانشراحُ الصدر، وطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض، ويكون بذلك الإنسان محبوباً إلى الخلق كريماً عليهم.
هذه هي الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسنُ الخلق في معاملة الخلق.
ومن علامات حسن الخلق مع الخلق : أن يكون الإنسان حسن المعاشرة مع من يعاشره من أصدقاء وأقارب , لا يضيق بهم ولا يضيق عليه , بل يدخل السرور على قلوبهم بقدر ما يمكنه في حدود شريعة الله , وهذا القيد لا بد منه , لأن من الناس من لا يسر إلا بمعصية الله – والعياذ بالله –فهذا لا ينبغي أن نوافقه عليه , لكن إدخال السرور على من يعاشرك من أهل , ــــــــــ
(1)أخرجه مسلم رقم144 كتاب البر و الـصلة
وأصدقاء وأقارب في حدود الشرع من حسن الخلق . ولهذا قال النــبي عليه الصلاة والــسلام ( خيركم لأهله , وأنا خيركم لأهلي )(1) .
وكثير من الناس – مع الأسف الشديد يحسن الخلق مع الناس , ولكنه لا يحسن الخُلُق مع أهله , وهذا خطأ عظيم , وقلبٌ للحقائق , إذ كيف تحسن الخُلق مع الأباعد وتسيء الخلق مع الأقارب ؟ قد يقول : لأن الأقارب أمونُ عليهم . فنقول : هذا ليس بسبب يجعلك تسيء الخلق معهم , فالأقارب أحق الناس بأن تحسن إليهم في الصحبة والعشرة , ولهذا قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن مصاحبتي ؟ قال ( أمك ) قال : ثم من ؟ قال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أبوك )(2) .
والأمر عند بعض الناس على العكس تجده يسيء العشرة مع أمه , ويحسن العشرة مع زوجته , فيكون مقدماً إحسان العشرة مع زوجته التي هي عنده بمنزلة الأسير , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم )(3) , يعني : بمنزلة الأسرى .
والحاصل : أن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من مكارم الأخلاق .
***
كيفية اكتساب مكارم الأخلاق
ذكرنا أولاً حسن الخلق يكون بالطبع ويكون بالتطبع , وأن حسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطـبع وذكـرنا لذلك دلـيلاً وهو قول النبــي صلى الله عليه وسلم للأشج بن عبدالقيس ( بل جبلك الله عليهما ) (4) .
وكذلك لأن حسن الخلق بالطبع لا يزول عن الإنسان لكن حسن الخلق بالتطبع قد يفوت الإنسان في مواطن كثيرة , لأنه يحتاج إلى ممارسة وإلى معاناة وإلى رياضة ومجاهدة , وإلى تذكر ذلك عند حدوث كل ما يثير الإنسان . ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام , فقال : يا رسول الله أوصني قال ( لا تغضب ) (5) .
فردد مراراً . قال ( لا تغضب ) وقال النبي عليه الصلاة والسلام ( ليس الشديد بالصرعة , إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب )(6) .
و الصرعة : والذي يصرع الناس كهُمزة , ولًمزة . فهمزة الذي يهمز الناس , ولمزة : الذي يلمز الناس بالعيون .
ــــــــــ
(1) أخرجه الترمذي رقم3895 كتاب المناقب ,وهو في صحيح الجامع رقم3314 (2) أخرجه البخاري رقم5971 ومسلم رقم1 , 2 كتاب البر والصلة (3) أخرجه الترمذي رقم3087 وقال الترمذي : حديث حسن صحيح (4) أخرجه أبوداود رقم5335 وأحمد في المسند 4/206 (5) أخرجه البخاري رقم6116 (6) أخرجه البخاري رقم 6114 ومسام رقنم107 كتاب البر والصلة
فليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم ( إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) يتحكم فيها ويملكها في مواطن الغضب , وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من محاسن الأخلاق , فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب , ولكن استعذ بالله من الشيطان الرجيم , وإذا كنت قائماً فاجلس , وإذا كنت جالساً فاضطجع , وإذا ازداد الغضب فتوضأ حتى يزول عنك .
للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله , نحمده و نستعينه ونستغفره , ونتوب إليه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق , ليظهره على الدين كله , بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً , وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً , فبلغ الرسالة , وأدى الأمانة , ونصح الأمة , وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين , ووفق الله من شاء من عباده فاستجاب لدعوته , واهتدى بهديه , وخذل الله بحكمته من شاء من عباده , فاستكبر عن طاعته , وكذب خبره , وعاند أمره , فباء بالخسران والضلال البعيد .
أما بعد فبحثنا هذا يدور حول الحديث عن حسن الخلق ومكارم الأخلاق .
والخلق : هو السجيةُ والطبع , وهو كما يقول أهل العلم : صورةُ الإنسان الباطنة , لأن الإنسان صورتين :
صورة ظاهرة : وهي شكل خلقته التي جعل الله البدن عليه , وهذه الصورة الظاهرة منها جميل حسن , ومنها ما هو قبيح سيئ , منها ما بين ذلك .
وصورة باطنة : وهي حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر , من غير حاجة إلى فكر وروية .
وهذه الصورة أيضاً منها ما هو حسن إذا كان الصادر عنها خلقاً حسناً , ومنها ما هو قبيح إذا كان الصادر عنها خلقاً سيئاً , وهذا ما يُعبر عنه بالخلق , فالخلق إذن هو الصورة الباطنة التي طبع الإنسان عليها .
والواجب على المسلم أن يتخلق بمكارم الأخلاق أي أطايبها , والكريم من كل شيء هو الطيب منه بحسب ذلك الشيء , ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ ( إياك وكرائم أموالهم )(1) حين أمره بأخذ بالزكاة من أهل اليمن .
فعلى الإنسان أن تكون سريرته كريمة , فيحب الكرم , والشجاعة , والحلم , والصبر ,أن يلاقي الناس بوجه طلق , وصدر منشرح , ونفس مطمئنة , فكل هذه الخصال من مكارم الأخلاق .
وقد قال الني صلى الله عليه وسلم ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً )(2) , فينبغي أن يكون هذا الحديث دائماً نصب عين المؤمن , لأن الإنسان إذا علم بأنه لن يكون كامل الإيمان إلا إذا أحسن خلقه كان ذلك دافعاً له على التخلق بمكارم الأخلاق ومعالي الصفات وترك سفا سفها و رديئها .
ــــــــــ
(1) أخرجه البخاري رقم1496 , ومسلم رقم29 (2) أخرجه أبو داود رقم4682 , و الترمذي 1162 , وهو في صحيح الجامع رقم1230 , 1232
***
كمال الشريعة الإسلامية من ناحية الأخلاق
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من مقاصد بعثته إتمام محاسن الأخلاق , فقال عليه الصلاة والسلام ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )(1) .
فالشرائع السابقة التي شرعها الله للعباد كلها تحث على الأخلاق الفاضلة , ولهذا ذكر أهل العلم أن الأخلاق الفاضلة مما طبقت الشرائع على طلبه , ولكن الشريعة الكاملة جاء النبي عليه الصلاة والسلام فيها بتمام مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال . ولنضرب مثلاً .
مسألة القصاص : ذكر أهل العلم في مسألة القصاص , أي : لو أن أحداً جنى على أحد فهل يقتص منه أم لا ؟ ذكروا أن القصاص في شريعة اليهود حتميٌّ ولابد منه , ولا خيار للمجني عليهم فيه , وأن الأمر في شريعة النصارى العكس , وهو وجوب العفو , لكن شريعتنا جاءت كاملة من الوجهين , ففيها القصاصُ وفيها العفو , لأن في أخذ الجاني بجنايته حزماً وكفاً للشر , وفي العفو عنه إحساناً وجميلاً , وبذل معروف فيمن عفوت عنه , فجاءت شريعتنا والحمد لله مكملة , خيرت من له الحق بين العفو والأخذ , لأجل أن يعفو في مقام العفو , وأن يأخذ في مقام الأخذ . وهذا بلا شك أفضل من شريعة اليهود التي ضيعت حق المجني عليهم في العفو الذي يكون فيه مصلحة لهم , وأفضل من شريعة النصارى التي ضيعت حق المجني عليهم أيضاًً فأوجبت عليهم العفو وقد تكون المصلحة في الأخذ وإنزال العقوبة .
***
الأخلاق بين الطبع والتطبع
وكما يكون الخُلقُ طبيعة , فإنه قد يكون كسباً , بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعاً على الخلق الحسن الجميل , فإنه أيضاً يمكن أن يتخلق بالأخلاق الحسنة عن طريق الكسب والمرونة .
ولذلك قال الني صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس ( إن فيك لخلقين يحبهما الله : الحلم والأناة ) قال يا رسول الله , أهما خلقان تخلقت بهما , أم جبلني الله عليهما , قال ( بل جبلك الله عليهما ) . فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما ورسوله )(2) .
فهذا دليل على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعاً وتكون تطبعا , ولكن الطبع بلا شك أحسن من التطبع , لأن الخلق الحسن إذا كان طبيعياً صار سجية للإنسان وطبيعة له , لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف , ولا يحتاج في استدعائه إلى عناء ومشقة , ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء , ومن حُرم هذا – أي حُرم الخلق عن سبيل الطبع – فإنه يمكنه أن يناله
عن سبيل التطبع , وذلك بالمرونة , والممارسة كما سنذكر إن شاء الله تعالى فيما بعد .
ــــــــــ
(1) أخرجه أحمد في المسند2/381 , والحاكم في المستدرك2/613 , وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي , وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم45 , (2) أخرجه أبو داود رقم5225 , وأحمد 4/206
***
من الأفضل ؟
وهنا مسألة وهي : أيهما أفضل رجل جُبل على خلق حميد , ورجل يجاهد نفسه على التخلق به , فأيهما أعلى منزلة من الآخر ؟
ونقول جواباً على هذه المسألة : إنه لاشك أن الرجل الذي جُبل على الخلق الحسن أكمل من حيث تخلقه بذلك , أو من حيث وجود هذا الخلق الحسن فيه , لأنه لا يحتاج إلى عناء ولا إلى مشقة في استدعائه , ولا يفوته في بعض الأماكن والمواطن , إذ أن حسن الخلق فيه سجيه وطبع , ففي أي وقت تلقاه تجده حَسَن الخلق , وفي أي مكان تلقاه حَسَن الخلق , وعلى أي حالٍ تلقاه حَسَن الخلق , فهو من هذه الناحية أكمل بلا شك .
وأما الآخر الذي يجاهد نفسه ويروضها على حسن الخلق , فلا شك أنه يؤجر على ذلك من جهة مجاهدة نفسه , وهو أفضل من هذه الجهة , لكنه من حيث كمالُ الخلق أنقص بكثير من الرجل الأول .
فإذا رزق الإنسان الخلقين جميعاً , طبعاً وتطبعاً كان ذلك أكمل , الأقسام هي :
1- من حرُم حسن الخلق طبعاً وتطبعاً
2- من حرمه طبعاً لا تطبعاً
3- من رُزقه طبعاً لا تطبعا
4- من رُزقه طبعاً لا تطبعاًً
ولا شك أن القسم الثالث هو أفضل الأقسام لأنه مع بين الطبع والتطبع في حسن الخلق .
***
مجالات حسن الخلق
إن كثيراً من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق خاص بمعاملة الخلق دون معاملة الخالق ولكن هذا الفهم قاصر , فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق , يكون أيضاً في معاملة الخالق , فموضوع حسن الخلق إذن : معاملة الخالق جلا وعلا , ومعاملة الخلق أيضاً وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها الجميع .
أولاً / حـسن الخلق في مـعاملة الخالق : حـسنُ الخلق في مـعاملة الخالق يجمع ثلاثة أمـور : (1) تلقي أخبار الله بالتصديق (2) وتلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق (3) وتلقي أقداره بالصبر والرضا .
هذه ثلاثة أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله تعالى ,
1/ تلقي أخبار بالتصديق : بحيث لا يقع عند الإنسان شك , أو تردد في تصديق خبر الله تبارك وتعالى , لأن خبر الله تعالى صادر عن علم , وهو سبحانه أصدق القائلين كمال قال تعالى عن نفسه ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا )]النساء87[ , ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان واثقاً بها , مدافعاً عنها , ومجاهداً بها وفي سبيلها , بحيث لا يداخله شك أو شبهة في أخبار الله عز وجل و أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم .
وإذا تخلق العبد بهذا الخلق أمكنه أن يدفع أي شبهة يوردها المغرضون على أخبار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , سواء أكانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه , أم كانوا من غير المسلمين الذين يلقون الشبه في قلوب المسلمين بقصد فتنتهم وإضلالهم .
ولنضرب لذلك مثلاً - حديث الذباب - ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ولغ الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر الدواء )(1) .
هذا خبر صادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم في أمور الغيب لا ينطق عن الهوى , لا ينطق إلا بما أوحى الله تعالى إليه لأنه بشر , والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له ( قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ )]الأنعام50[ .
وهذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخلق وحسن الخلق نحو هذا الخبر يكون بأن نتلقاه بالقبول والانقياد , فنجزم بأن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فهو حق وصدق , وإن اعترض عليه من اعترض , ونعلم علم اليقين أن كل ما خالف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه باطل , لأن الله تعالى يقول ( فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ )]يونس32[ .
ومثال آخر – من أخبار يوم القيامة - أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بقدر ميل (2) , وسواء كان هذا الميل ميلَ المكحَلة أم كان ميل المسافة , فإن هذه المسافة بين الشمس ورءوس الخلائق قليلة ومع هذا فإن الناس لا يحترقون بحرها , مع أن الشمس لو تدنو الآن في الدنيا مقدار أنملة لاحترقت الأرض ومن عليها .
قد يقول قائل : كيف تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة , ثم يبقى الناسُ لحظةً واحدةً دون أن يحترقوا ؟! نقول لهذا القائل : عليك أن تكون حسن الخلق نحو هذا الحديث .
وحسنُ الخلق نحو هذا الحديث الصحيح يكون أن نقبله ونصدق به , وأن لا يكون في صدورنا حرج منه ولا ضيق ولا تردد , وأن نعلم أن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا فهو حق , ولكن هناك فارقاً عظيماً بين أحوال الناس في الدنيا , وأحوالهم في الآخرة , بحيث لا يمكن أن نقيس أحوال الدنيا بأحوال الآخرة , لوجود هذا الفارق العظيم .
فنحن نعلم أن الناس يقفون يوم القيامة خمسين ألف سنة !!
ــــــــــ
(1) أخرجه البخاري رقم5782
(2) أخرجه مسلم 2864
وعلى مقياس ما في الدنيا , فهل يمكن أن يقف أحدٌ من الناس خمسين أ لف دقيقة ؟
الجواب : لا يمكن ذلك , إذن الفارق عظيم , فإذا كان كذلك , فإن المؤمن يقبل مثل هذا الخبر بانشراح صدر وطمأنينة , ويتسع فهمه له , وينفتح قلبه لما دل عليه .
2/ ومن حسن الخلق مع الله عز وجل , أن يتلقى الإنسان أحكام الله بالقبول والتنفيذ والتطبيق فلا يرد شيئاً من أحكام الله , فإذا رد شيئاً من أحكام الله فهذا سوء خلق مع الله عز وجل , سواءٌ ردها منكراً حكمها , أو ردها مستكبراً عن العمل بها , أو ردها متهاوناً بالعمل بها , فإن ذلك كله منافٍ لحسن الخلق مع الله عز وجل .
مثال على ذلك – الصوم – الصوم لا شك فيه أنه شاقٌ على النفوس , لأن الإنسان يترك فيه المألوف , من طعام وشراب , ونكاح , وهذا أمر شاق على الإنسان ولكن المؤمن حسن الخلق مع الله عز وجل , يقبل هذا التكليف , أو بعبارة أخرى : يقبل هذا التشريف , فهذه نعمة من الله عز وجل في الحقيقة , فالمؤمن يقبل هذه النعمة التي في صورة تكليف بانشراح صدر وطمأنينة , وتتسع لها نفسه فتجده يصوم الأيام الطويلة في زمن الحر الشديد , وهو بذلك راضٍ منشرح الصدر , لأنه يحسن الخلق مع ربه , لكن سيئ الخلق مع الله عز وجل يقابل مقل هذه العبادة بالضجر والكراهية, ولولا أنه يخشى من أمر لا تُحمد عقباه , لكان لا يلتزم بالصيام .
مثال آخر – الصلاة – فالصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس , وهي ثقيلة على المنافقين , كمال قال النبي عليه الصلاة والسلام ( أثقل الصلاة على المنافقين : صلاة العشاء وصلاة الفجر )(1) .
لكن الصلاة بالنسبة للمؤمن ليست ثقيلة قال تعالى ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ )]البقرة45-46[ , فهي على هؤلاء غري كبيرة وإنما سهلة يسيرة , ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( و جعلت قُرة عيني في الصلاة )(2) .
فالصلاة هي قرة عين المؤمن , وزاده اليومي الذي يتزود به للقاء الله تعالى , ولذلك فهو يعظم قدرها لها أعظم الاهتمام , لأنها عماد الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة .
فحسن الخلق مع الله عز وجل بالنسبة للصلاة أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن ,وعينك قريرة تفرح إذا كنت متلبساً بها , وتنتظرها إذا فات وقتها , فإذا صليت الظهر , كنت في شوق إلى الصلاة العصر , وإذا صليت المغرب كنت في شوق إلى صلاة العشاء , وإذا صليت العشاء كنت في شوق إلى صلاة الفجر . و لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( يا بلال أرحنا بالصلاة )(3) .
ــــــــــ
(1) مسلم رقم251 كتاب المساجد ورقم651/252 (2) أخرجه مسلم النسائي رقم3949 , 3950 كتاب عشرة النساء , وأحمد في المسند 3/128 , 199 , 285 , وهو في صححي الجامع رقم3134 (3) أخرجه أبو داود رقم4985 . وأحمد في المسند 5/364 والحديث في صحيح الجامع للألباني رقم7892 .
يقول : أرحنا بها , فإن فيها الراحة والطمأنينة والسكينة , لا كما يقول البعض : أرحنا بها , لأنها ثقيلة عليهم , وشاقة على نفوسهم . وهكذا دائماً تجعل قلبك معلقاً بهذه الصلوات فهذا لا شك أنه من حسن الخلق مع الله تعالى .
مثال ثالث – تحريم الربا – وهذا في المعاملات فقد حرم الله علينا الربا تحريماً أكيداً وأحل لنا البيع وقال في ذلك ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهـَى فَلـَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الـلَّهِ وَمـَنْ عَادَ فَأُولَـئِكَ أَصْـحَابُ النَّارِ هُمْ فِيـهَا خَالِـدُونَ )]البقرة275[, فتوعد من عاد إلى الربا بعد أن جاءته الموعظة , وعلم الحكم , توعد بالخلود في النار , والعياذ بالله , بل إنه توعده في الدنيا أيضاً بالحرب فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مؤمنين * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .. )]البقرة278,279[ هذا يدل على عظم هذه الجريمة وأنها من كبائر الذنوب والموبقات .
فالمؤمن يقبل هذا الحكم بانشراح ورضا وتسليم , وأما غير المؤمن فإنه لا يقبله , ويضيق صدره به , وربما يتحيل عليه بأنواع الحيل , لأننا نعلم أن في الربا كسباً متيقناً وليس فيه أي مخاطرة, لكنه في الحقيقة كسب لشخص وظلك لآخر ’ ولهذا قال الله تعالى ( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ )]البقرة279[ .
3/ ومن حسن الخلق مع الله تعالى : تلقي أقدار الله تعالى بالرضا والصبر ,وكلنا نعلم أن أقدار الله عز وجل التي يجريها على خلقه ليست كلها كلائمة للخلق بمعنى أن منها ما يوافق رغبات الخلق ومنها ما لا يوافقهم .
فالمرض مثلاً : لا يلائم الإنسان , فكل إنسان يحب أن يكون صحيحاً معافى .
وكذلك الفقر : لا يلائم الإنسان , فالإنسان يحب أن يكون غنياً .
وكذلك الجهل : لا يلائم الإنسان فالإنسان يحب أن يكون عالماً . لكن أقدار الله عز وجل تتنوع لحكمة يعلمها الله عز وجل , منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتضى طبيعته , ومنها ما لا يكون كذلك . فمت هو حسن الخلق مع الله عز وجل نحو أقدار الله ؟
حسن الخلق مع الله نحو أقداره : أن ترضى بما قدر الله لك , وأن تطمئن إليه وتعلم أنه سبحانه وتعالى ما قدره إلا لحكمة عظيمة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد والشكر .
وعلى هذا فإن حسن الخلق مع الله نحو أقداره , هو أن يرض الإنسان ويستسلم ويطمئن , ولهذا امتدح الله الصابرين فقال ( ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )]البقرة155-156[ . .
ثانياً : حسن الخلق في معاملة الخَلق :
أما حسن الخلق مع المخلوق فعرّفه بعضُهم بأنه كفُّ الأذى ، وبذلُ النّدى، وطلاقة الوجه . ويذكر ذلك عن الحسن البصري – رحمه الله.
1/ معنى كفى الأذى : معنى كف الأذى أن يكف الإنسان أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس بحسن الخلق، بل هو سيئ الخلق.
وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم حُرمة أذية المسلم بأي نوع من الإيذاء وذلك في أعظم مجمع اجتمع فيه بأمته حيث قال ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا )(1) .
إذا كان رجل يعتدي على الناس بأخذ المال، أو يعتدي على الناس بالغش، أو يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس بالسبّ والغيبة والنميمة، لا يكون هذا حسنَ الخلق مع الناس، لأنه لم يكف أذاه، ويعظم إثم ذلك كلما كان موجهاً إلى من له حق عليك أكبر.
فالإساءة إلى الوالدين مثلاً أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيراناً لك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ) قالوا : من يا رسول الله؟ قال ( من لا يأمن جاره بوائقه )(2) .
2 / معنى بذل الندي : الندى هو الكرم والجود، يعني: أن تبذل الكرم والجود. والكرم ليس كما يظنه بعض الناس أنه بذل المال فقط، بل الكرم يكون في بذل النفس، وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، وفي بذل العلم.
إذا رأينا شخصاً يقضي حوائج الناس، يساعدهم، يتوجه في شئونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليهم، ينشر علمه بين الناس، يبذل ماله بين الناس، هل نصفُ هذا بحس الخلق؟ نعم، نصفه بحسن الخلق، لأنه بذل الندى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخلق حسن )(3) .
ومن مخالفة الناس بخلق حسن : أنك إذا ظُلمت أو أسيء إليك، فإنك تعفو وتصفح وقد امتدح الله العافين عن الناس، فقال في أهل الجنة ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )] آل عمران 134[
وقال تعالى ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... ) ]البقرة237[
وقال تعالى ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ... ) ]النور 22[
ــــــــــ
(1) أخرجه البخاري رقم67 وأخرجه مسلم رقم29,30 كتاب القسامة (2) أخرجه البخاري رقم6016 ومسلم نحوه رقم73 كتاب الإيمان ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) (3) أخرجه الترمذي رقم1987 وقال ( حديث حسن صحيح ) وأحمد في المسند 4/153 , 158 , 236 من حديث أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وهو في صحيح الجامع رقم97 .
وقال تعالى ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) ]الشورى 40[
وكل إنسان يتصل بالناس، فلابد أن يجد من الناس شيئاً من الإساءة، فموقفه من هذه الإساءة أن يعفو ويصفح، وليعلم علم اليقين أنه يعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى، سوف تنقلب العداوة بينه وبين أخيه إلى ولاية، ومحبة، وصداقة، قال تعالى ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ]فصلت 34[
وتأملوا أيها العارفون باللغة العربية كيف جاءت النتيجة بإذا الفُجائية، لأن ( إذا ) الفجائية تــدل على الحــدوث الفــوري في نتيجتها ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنــَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِــيٌّ حَمــِيمٌ ) ]فصلت 34[ , ولكن ليس كل أحد يوفق لذلك قال ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ]فصلت 35[ .
هل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني محمود مطلقاً ومأمور به؟
وقد يفهم البعض من الآية هذا الكلام، ولكن ليكن معلوماً أن العفو إنما يُحمد إذا كان العفو أحمد، فإن كان الأخذ أحمد فالأخذ أفضل. ولهذا قال تعالى ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) ]الشورى 40[ , فجعل العفو مقروناً بالإصلاح.
فالعفو قد يمكن أن يكون غير إصلاح، فقد يكون هذا الذي جنى عليك واجترأ عليك رجلاً شريراً معروفاً بالشر والفساد، فلو عفوت عنه لتمادى في شره وفساده فالأفضل في هذا المــقام أن تــأخذ هذا الرجل بجريـرته، لأن في ذلك إصــلاحا ً. قال شيــخ الإسلام ابــن تيمـيه ( الإصلاح واجب، والعفو مندوب، فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوباً على واجب، وهذا لا تأتي به الشريعة ) وصدق رحمه الله .
** تنبيه مهم**
وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة يفعلها كثير من الناس بقصد الإحسان، وهي أن تقع حادثه من شخص، فيهلك بسببها شخص آخر، فيأتي أولياء المقتول فيسقطون الدية عن هذا الجاني الذي فعل الحادث، فهل إسقاطهم للدية محمود ويعتبر من حسن الخلق؟ أم في ذلك تفصيل؟
في ذلك تفصيل، فلابد أن نتأمّل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث، هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول: أنا لا أبالي أن أدهس شخصاً لأن ديته في الدرج والعياذ بالله.
أم أنه رجل حصلت منه هذه الحادثة مع كمال التعقل وكمال الاتزان، ولكن الله تعالي قد جعل لكل شيئاً مقداراً.
في ذلك تفصيل، فلابد أن نتأمّل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث، هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول: أنا لا أبالي أن أدهس شخصاً لأن ديته في الدرج والعياذ بالله.
أم أنه رجل حصلت منه هذه الحادثة مع كمال التعقل وكمال الاتزان، ولكن الله تعالي قد جعل لكل شيئاً مقداراً.
إن كان من هذا الطراز الأخير فالعفو في حقه أولى، ولكن حتى وإن كان من هذا الطراز المتعقل المتزن ، يجب قبل أن نعفو عنه أن ننظر: هل على الميت دين؟ فإذا كان على الميت دين، فإنه لا يمكن أن نعفو، ولو عفونا فإن عفونا لا يعتبر. وهذا مسألة ربما يغفل عنها كثير من الناس، ونحن نقول ذلك لأن الورثة يتلقون الاستحقاق لهذه الدية من الميت الذي أصيب بالحادث، ولا يردُ استحقاقهم إلا بعد قضاء الدين إن كان الميت مديناً.
ولهذا لما ذكر الله الميراث قال ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) ]النساء 11[
والحاصل أن من حسن الخلق: العفو عن الناس وهذا من باب بذلك الندى، لأن بذل الندى إما إعطاء وإما إسقاط، والعفو من الإسقاط.
3 / طلاقة الوجه : وطلاقة الوجه: هو إشراقه حين مقابلة الخلق، وضدُّ ذلك عبوس الوجه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )(1) وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن البر فقال ( وجه طـلق ولسان لـيـّن )
وقد نظمه بعض الشعراء فقال:
بني إن البر شيء هين *** وجه طليق ولسان لين
فطلاقة الوجه وتُدخل السرور على الناس، وتجذب المودة، والمحبة، وتوجب انشراح الصدر منك وممن يقابلك.
لكن إذا كنت عبوساً ، فإن الناس ينفرون منك، ولا ينشرحون بالجلوس إليك، ولا بالتحدث معك، وربما تصاب بعُقدٍ نفسيه، وربما تصاب بالمرض الخطير وهو ما يسمى بالضغط، فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أنجع العقاقير المانعة من هذا الداء ولهذا ينصح الأطباء من ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عما يثيره ويغضبه، لأن ذلك يزيد في مرضه، فانشراحُ الصدر، وطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض، ويكون بذلك الإنسان محبوباً إلى الخلق كريماً عليهم.
هذه هي الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسنُ الخلق في معاملة الخلق.
ومن علامات حسن الخلق مع الخلق : أن يكون الإنسان حسن المعاشرة مع من يعاشره من أصدقاء وأقارب , لا يضيق بهم ولا يضيق عليه , بل يدخل السرور على قلوبهم بقدر ما يمكنه في حدود شريعة الله , وهذا القيد لا بد منه , لأن من الناس من لا يسر إلا بمعصية الله – والعياذ بالله –فهذا لا ينبغي أن نوافقه عليه , لكن إدخال السرور على من يعاشرك من أهل , ــــــــــ
(1)أخرجه مسلم رقم144 كتاب البر و الـصلة
وأصدقاء وأقارب في حدود الشرع من حسن الخلق . ولهذا قال النــبي عليه الصلاة والــسلام ( خيركم لأهله , وأنا خيركم لأهلي )(1) .
وكثير من الناس – مع الأسف الشديد يحسن الخلق مع الناس , ولكنه لا يحسن الخُلُق مع أهله , وهذا خطأ عظيم , وقلبٌ للحقائق , إذ كيف تحسن الخُلق مع الأباعد وتسيء الخلق مع الأقارب ؟ قد يقول : لأن الأقارب أمونُ عليهم . فنقول : هذا ليس بسبب يجعلك تسيء الخلق معهم , فالأقارب أحق الناس بأن تحسن إليهم في الصحبة والعشرة , ولهذا قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن مصاحبتي ؟ قال ( أمك ) قال : ثم من ؟ قال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أبوك )(2) .
والأمر عند بعض الناس على العكس تجده يسيء العشرة مع أمه , ويحسن العشرة مع زوجته , فيكون مقدماً إحسان العشرة مع زوجته التي هي عنده بمنزلة الأسير , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم )(3) , يعني : بمنزلة الأسرى .
والحاصل : أن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من مكارم الأخلاق .
***
كيفية اكتساب مكارم الأخلاق
ذكرنا أولاً حسن الخلق يكون بالطبع ويكون بالتطبع , وأن حسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطـبع وذكـرنا لذلك دلـيلاً وهو قول النبــي صلى الله عليه وسلم للأشج بن عبدالقيس ( بل جبلك الله عليهما ) (4) .
وكذلك لأن حسن الخلق بالطبع لا يزول عن الإنسان لكن حسن الخلق بالتطبع قد يفوت الإنسان في مواطن كثيرة , لأنه يحتاج إلى ممارسة وإلى معاناة وإلى رياضة ومجاهدة , وإلى تذكر ذلك عند حدوث كل ما يثير الإنسان . ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام , فقال : يا رسول الله أوصني قال ( لا تغضب ) (5) .
فردد مراراً . قال ( لا تغضب ) وقال النبي عليه الصلاة والسلام ( ليس الشديد بالصرعة , إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب )(6) .
و الصرعة : والذي يصرع الناس كهُمزة , ولًمزة . فهمزة الذي يهمز الناس , ولمزة : الذي يلمز الناس بالعيون .
ــــــــــ
(1) أخرجه الترمذي رقم3895 كتاب المناقب ,وهو في صحيح الجامع رقم3314 (2) أخرجه البخاري رقم5971 ومسلم رقم1 , 2 كتاب البر والصلة (3) أخرجه الترمذي رقم3087 وقال الترمذي : حديث حسن صحيح (4) أخرجه أبوداود رقم5335 وأحمد في المسند 4/206 (5) أخرجه البخاري رقم6116 (6) أخرجه البخاري رقم 6114 ومسام رقنم107 كتاب البر والصلة
فليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم ( إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) يتحكم فيها ويملكها في مواطن الغضب , وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من محاسن الأخلاق , فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب , ولكن استعذ بالله من الشيطان الرجيم , وإذا كنت قائماً فاجلس , وإذا كنت جالساً فاضطجع , وإذا ازداد الغضب فتوضأ حتى يزول عنك .